البيئة البحرية:
يُغطي الغلاف المائي البحري ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، ويشمل كل من المحيطات، والشعاب المرجانية، ومصبات الأنهار، ويصل عمق المياه في بعض المحيطات إلى قيمة أكبر من تلك التي يبلغها ارتفاع قمة جبل إيفرست، كخندق ماريانا (بالإنجليزية: Mariana Trench) وخندق تونغا (بالإنجليزية: Tonga Trench) واللذان يزيد أعماقهما عن 10 كم، وتضمّ البيئات البحرية عدداً من الكائنات الحية التي طورت استجاباتها للتكيف مع البيئة البحرية المعقدة، مُشكِّلة مجموعات يُطلق عليها اسم النظام البيئي البحري (بالإنجليزية: Marine Ecosystem)، وتُشكِّل هذه الكائنات البحرية داعماً أساسياً للحياة على سطح الأرض، فجزء كبير من كميات الأكسجين الموجودة في الغلاف الجوي تتكفل بها الطحالب البحرية، والتي تستهلك بالمقابل كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي، كما أنّ الأمطار الهاطلة على سطح الأرض جاءت نتيجة تبخر مياه المحيطات.
أبرز الأخطار التي تواجه البيئة البحرية:
تُعدّ الملوِّثات واحدة من أكبر المخاطر التي تهدد الحياة البحرية، وتصل إلى المياه إمّا عن طريق الملوِّثات الثابتة كالمواد التي يَصعب تحللها في الماء، أو تلك غير القابلة للتحلل بالكلية، أو عن طريق المغذيات الفائضة عن الحاجة والتي تصل إلى المياه البحرية عن طريق الأنهار، أو عن طريق النقل الجوي للملوِّثات فوق سماء المياه البحرية، وقد ينتج عن هذه المدخلات ملوِّثات عضوية مثل ثنائي الفينيل متعدد الكلور (بالإنجليزية: Polychlorinated Biphenyls) اختصاراً (PCBs)، والذي كان يُستخدم سابقاً كمادة عازلة أو كسائل مبرد، وتُشكِّل الملوِّثات الصادرة عن قطاع إنتاج النفط والغاز، والشحن مصدراً آخر من مصادر تهديد الحياة البحرية، كالنفايات، والحوادث، والطلاء المانع للحشف (بالإنجليزية: Antifouling Paints)، وتتعرض النظم البيئية البحرية هي الأخرى لمجموعة من الأخطار، على رأسها الصيد الجائر وما ينتج عنه من تهديد حقيقي لأنواع الكائنات الحية وموائلها، وتُضاف إلى مجموعة المخاطر الواسعة التي تهدد الحياة البحرية ظاهرة التغيّر المناخي العالمية، وما يترتب عليها من ارتفاع في مستوى سطح البحر، وتغيّرات في تنوع النباتات والحيوانات في بعض المناطق البحرية.
ويواجه التنوع البيولوجي اليوم تسارعاً في فقدان كائناته الأساسية، فالموائل الساحلية وعلى وجه الخصوص الشعاب المرجانية تعرضت لفقدان ما نسبته 20% من موائلها، في حين أنّ 20% أخرى معرضة لذلك، بينما انخفضت نسبة أشجار الأيكة الساحلية (بلإنجليزية: Mangroves) بما نسبته 30-50%، والذي ينعكس سلباً على وفرة المواطن الطبيعية المتاحة للكائنات البحرية، ومصائد الأسماك، وغيرها من الأمور، وتُشير العديد من الدراسات إلى أنّ العالم عانى من هذه المشكلة منذ مئات السنين، فهناك تقديرات تُفيد بفقدان حوالي 29% من الموائل الخاصة بالأعشاب البحرية، واليوم هناك 80% من أصل 232 منطقة بيئية بحرية حول العالم تزعم بوجود أنواع دخيلة (بالإنجليزية: Invasive Species) فيها بكل واسع، والتي تُعدّ ثاني أكبر مسبب لفقدان التنوع البيولوجي، ولا تزال هذه المشكلة تزداد سوءاً بارتفاع معدلات الغزو البحري.
وتساهم المصادر البرية بما نسبته 80% من التلوث الحاصل للبيئات البحرية، فكمية المغذيات المفرطة التي تصل إلى المياه البحرية عن طريق شبكات الصرف الصحي أو الجريان السطحي للمياه المستخدَمة في القطاع الزراعي ساهمت في زيادة عدد المناطق الميتة (بافنجليزية: Dead Zones) التي ينعدم فيها أيّ وجود للأكسجين أو يكاد يكون معدوماً، من 49 منطقة في ستينات القرن التاسع عشر إلى أكثر من 400 منطقة لعام 2008م، الأمر الذي أدّى إلى انهيار بعض الأنظمة البيئية، واليوم يمتلك العالم مخاوف متزايدة إزاء انسكابات النفط، بسبب التكنولوجيا الحديثة للتنقيب عن النفط والتي تسمح بحفر المزيد من الحفر في أعماق البحار، ويساهم وجود البلاستيك والقمامة في تعرّض البيئات البحرية للتلوث، وتكمن خطورة البلاستيك في خفة وزنه وقدرته على الطفو على سطح الماء، ومع الوقت تتحلل المواد البلاستيكية إلى جزيئات دقيقة سامة، قد تُعرِّض حياة الكائنات البحرية للخطر إذا ما تناولتها، وخصوصاً الأسماك والطيور المعرضة للاختناق بسببها.
وتُشكِّل الغازات الدفيئة مصدراً آخر من مصادر تهديد البيئات البحرية، حيث تزيد انبعاثات الغازات الدفيئة من حموضة المياه، واليوم تمتص المحيطات ما نسبته 26% من غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث إلى الغلاف الجوي نتيجة الأنشطة البشرية المختلفة، وتتسبب حموضة المياه في انخفاض وفرة عنصر الكالسيوم في المياه، الأمر الذي يُهدد حياة عدد من الأنواع البحرية على رأسهم العوالق والمحار، حيث تُشكِّل هذه الكائنات الغذاء الأساسي في العديد من السلاسل الغذائية البحرية، مما يعني أنّ أيّ انخفاض في أعدادها سينعكس على أعداد أنواع أخرى من الكائنات الحية في مستويات أعلى من السلاسل الغذائية، ويعتقد الخبراء بأنّه إذا ما استمرت أنشطة الإنسان على ما هي عليه الآن، فمن المتوقع أن ترتفع نسبة حموضة مياه البحار لتصل إلى 150% بحلول عام 2100م.
أهمية حماية البيئة البحرية:
تُعاني مياه المحيطات والسواحل حول العالم من التدهور المتزايد مع الوقت، وذلك بسبب زيادة نمو السواحل، وبسبب التلوث الحاصل لها بفعل السفن أو بفعل المصادر القادمة من اليابسة، وبسبب ما تُعانيه من تدمير الموائل الطبيعية، وغيرها من التهديدات المحيطة بها،[٥] ويقع على عاتق الإنسان مسؤولية الحفاظ على البيئة البحرية بكل صورها من بحار، وقيعانها، وتربتها، ومصبات الأنهار، وما تضمه من أنواع مختلفة من الكائنات الحية، وما تُشكلِّه من موائل لها؛ لأنّها أحد المصادر الأساسية التي تعتمد عليها الحياة على سطح الكرة الأرضية، فهناك العديد من الوظائف البيئية الأساسية في الأنظمة البيئية البحرية، منها: تنظيم الطقس، ومنع التآكل، وجمع وتوزيع الطاقة الشمسية، وامتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، والحفاظ على التوازن البيولوجي، وتكمن وظيفة الإنسان في الحفاظ على المحيطات والبحار بجعلها آمنة، ونظيفة، وصحية، ومُنتجة، بالإضافة إلى الحفاظ على التنوع البيولوجي الذي تزخر به هذه المصادر البحرية، إذ يُعدّ كل من المحيطات والبحار أكبر مصدر للتنوع البيولوجي على سطح الأرض، حيث تُغطي المياه البحرية ما نسبته 71% من مجمل مساحة الكرة الأرض، وتُشكِّل ما نسبته 90% من المحيط الحيوي، بالإضافة إلى ما تُشكِّله البيئة البحرية من دور رئيسي في ازدهار الاقتصاد، ورفاهية الإنسان، وجودة الحياة، وإذا ما أحسنت الدول إدارة الموارد البحرية بالحفاظ عليها وتقديرها جيداً فإنّ ذلك سيؤدي حتماً إلى توفير إمكانيات اقتصادية أكبر.